العمل الحرمقالات عامة

البيانات في الاقتصاد الرقمي: لماذا يجب أن تصبح أصلًا اقتصاديًا لا أثرًا جانبيًا في المملكة العربية السعودية؟

البيانات أصل اقتصادي في المملكة العربية السعودية

البيانات في الاقتصاد الرقمي: لماذا يجب أن تصبح أصلًا اقتصاديًا لا أثرًا جانبيًا في المملكة العربية السعودية؟

في المراحل الأولى من أي توسع رقمي، تبدو البيانات شيئًا ثانويًا يتولد في الخلفية من غير أن يطلبه أحد مباشرة. يدخل العميل، تُنفذ الخدمة، تتحرك المنصة، وتبقى وراء كل ذلك طبقة صامتة من المعلومات: أنماط طلب، وسلوك شراء، وتكرار استخدام، ومؤشرات جودة، وتحولات في التفضيلات، وخرائط غير مرئية للسوق. وفي كثير من البيئات، تُعامل هذه الطبقة كما لو كانت أثرًا تشغيليًا مرافقًا للنشاط، لا جزءًا من القيمة نفسها. لكن الاقتصادات التي نضجت رقميًا لم تعد تقبل هذه القراءة المبسطة. لقد أصبح واضحًا أن البيانات ليست مجرد بقايا نشاط، بل مورد قابل للتخزين، والتحليل، وإعادة الاستخدام، والدخول في الإنتاج، وأنها يمكن أن تصبح أصلًا غير ملموسًا له قيمة اقتصادية حقيقية. OECD تصف البيانات صراحةً بأنها أصل غير ملموس يسهم في الإنتاج النهائي، حتى وإن كان التقاطها في الإحصاءات الاقتصادية التقليدية ما يزال ناقصًا. 

ومن هنا، فإن السؤال الذي تحتاج المملكة العربية السعودية إلى طرحه بوضوح ليس: كيف نجمع بيانات أكثر؟ بل: كيف نجعل البيانات أصلًا اقتصاديًا حقيقيًا داخل الاقتصاد الرقمي، بدل أن تبقى أثرًا جانبيًا يتراكم من دون قراءة أو توظيف أو قياس؟

هذا السؤال لا يقف منفصلًا عن السلسلة التي نبنيها. في الموضوع السابع انتقلنا من فكرة الخدمة إلى فكرة الأصل، وقلنا إن الاقتصادات التي تكتفي ببيع الخدمات الرقمية قد تنجح في توليد دخل، لكنها لا تبني بالضرورة عمقًا اقتصاديًا متراكمًا. والآن نصل إلى إحدى أكثر النقاط حساسية داخل هذا المنطق: البيانات ليست فقط جزءًا من الأصل الرقمي، بل قد تكون مادته الأساسية، أو البنية التي تسمح بتحويل الخبرة إلى منتج، والمنصة إلى منظومة، والسوق إلى معرفة قابلة للتوسع.

لماذا لم تعد البيانات مجرد أثر جانبي؟

لأن الاقتصاد الرقمي لم يعد يتحرك فقط عبر البنية التحتية، أو التطبيقات، أو الواجهات، أو الخدمات المرئية. هو يتحرك أيضًا عبر ما تخلقه هذه البنية من معلومات قابلة للتحليل وإعادة الاستخدام وصناعة القرار. حين تُفهم البيانات على هذا النحو، فإنها لا تبقى:

  • سجلًا ثانويًا 
  • أو أرشيفًا تقنيًا 
  • أو ناتجًا لاحقًا للنشاط 

بل تصبح:

  • إدخالًا في الإنتاج 
  • وأصلًا غير ملموسًا 
  • ومادة لتحسين القرار 
  • وأساسًا لتطوير الخدمات والمنتجات 
  • ومصدرًا لميزة تنافسية أكثر استقرارًا 

وهذا ليس توصيفًا إنشائيًا. WIPO تضع البيانات ضمن فئات الأصول غير الملموسة إلى جانب البرمجيات والتصميم والعلامات ورأس المال التنظيمي، وتؤكد أن قياس هذه الفئات أصبح مهمًا لردم فجوات الفهم الاقتصادي وصناعة السياسات. كما أن تقاريرها الحديثة تُظهر أن فئة البرمجيات وقواعد البيانات كانت من أسرع فئات الأصول غير الملموسة نموًا في العقد الأخير. 

إذًا، حين تُعامل البيانات بوصفها أثرًا جانبيًا فقط، لا تضيع معلومات تشغيلية فحسب، بل يضيع جزء من القيمة الاقتصادية الحديثة من دون أن يدخل موقعه الصحيح في التقدير أو القياس أو التراكم.

ماذا نعني حين نقول: البيانات أصل اقتصادي؟

نحن لا نقول فقط إن البيانات “مهمة”. هذا الوصف أصبح أضعف من أن يعبّر عن مكانتها الحقيقية. المقصود أن البيانات، إذا جُمعت ونُظمت وارتفعت جودتها وربطت بالاستخدام الاقتصادي، تصبح مثل أي أصل آخر:

  • تبقى بعد النشاط 
  • يمكن إعادة استخدامها 
  • تدخل في صناعة القرار 
  • ترفع الإنتاجية 
  • وقد تتحول إلى منتج أو أداة أو بنية تنافسية 

OECD تؤكد أن تراكم البيانات لا يخلق قيمة تلقائيًا، بل يحتاج إلى حوكمة، وتحليل، وقدرات مكملة تحولها من مادة خام إلى أصل اقتصادي فعلي. وهنا تظهر الفكرة المركزية في هذا المقال: البيانات ليست أصلًا لأنها موجودة، بل لأنها تصبح قابلة للتنظيم، والقياس، والربط بالقيمة، والتحول إلى معرفة أو قرار أو منتج أو ميزة سوقية. 

لماذا هذا مهم للمملكة العربية السعودية؟

لأن المملكة العربية السعودية لا تبني مجرد اقتصاد يستخدم الأدوات الرقمية، بل تعمق اقتصادًا رقميًا داخل مشروع وطني أوسع تقوده رؤية المملكة العربية السعودية 2030، ويرتبط بتوسيع الاقتصاد غير النفطي، ورفع مساهمة القطاع الخاص، وتحسين جودة النمو، وتعميق القيمة المحلية. كما أن الاقتصاد الرقمي في المملكة العربية السعودية لم يعد هامشيًا؛ الهيئة العامة للإحصاء أعلنت أن مساهمته بلغت 16.0% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، مقارنة بـ 15.6% في 2023، مع كون الاقتصاد الرقمي الواسع هو الحصة الأكبر من هذه المساهمة. هذا يعني أن الحركة الرقمية أصبحت ذات وزن اقتصادي رسمي، وأن السؤال لم يعد عن وجود النشاط، بل عن نوع القيمة التي يخلقها وكيف تُحتفظ وتُقاس. 

ومن هنا، فإن التفكير في البيانات بوصفها أصلًا اقتصاديًا ليس تفصيلًا تقنيًا. إنه جزء من سؤال أكبر: كيف تحتفظ المملكة العربية السعودية بالقيمة الرقمية التي تتولد داخلها؟ وكيف تحول المعرفة السوقية والتشغيلية إلى أصل وطني، بدل أن تبقى مبعثرة بين المنصات والخدمات والعقود من غير أن تدخل في التقدير الحقيقي للقيمة الاقتصادية؟

ماذا تضيف العدسة الصينية؟

العدسة الصينية، في جوهرها المفيد هنا، تذكرنا بأن البيانات ليست ملفًا تقنيًا تابعًا للنشاط الاقتصادي، بل جزءًا من بنية الدولة الاقتصادية ومن قدرتها على التخطيط والتموضع والتوسع. المقصود ليس استنساخ نموذج دولة بعينها، بل فهم الفكرة الأساسية: الاقتصاد الذي لا يرى بياناته كجزء من بنيته الاقتصادية سيبقى أقل قدرة على الرؤية الاستباقية، وأضعف في تحويل النشاط الرقمي إلى قوة تراكمية.

ومن هذه الزاوية، فإن المملكة العربية السعودية تحتاج ألا تكتفي بجمع البيانات داخل المؤسسات والمنصات والأنشطة، بل أن تربطها بأسئلة أوسع:

  • ماذا تكشف هذه البيانات عن اتجاهات السوق؟ 
  • ما القطاعات الأعلى نموًا؟ 
  • ما الفجوات المهارية الحقيقية؟ 
  • أين تتركز القيمة؟ 
  • وما الذي يمكن أن يتحول من الخدمة إلى أصل أو منتج أو فرصة نمو؟ 

هذه العدسة ترفع موضوع البيانات من مستوى “عنصر مساعد” إلى مستوى “جزء من العمود الاقتصادي للرؤية المستقبلية”.

ماذا تضيف العدسة اليابانية؟

العدسة اليابانية تضيف معنى مختلفًا، لكنه بالغ الأهمية:
الانتقال من البيانات إلى الأصل لا يحدث بقفزة خطابية، بل عبر تدرج منظم ومحكوم. فالفارق كبير بين اقتصاد يعلن أن البيانات أصل اقتصادي، واقتصاد يبني الشروط التي تجعل هذا الإعلان صحيحًا في الواقع. هنا يصبح السؤال العملي:

  • هل جمع البيانات منظم؟ 
  • هل جودتها مرتفعة؟ 
  • هل تصنيفها واضح؟ 
  • هل يمكن إعادة استخدامها؟ 
  • هل هي مرتبطة بنشاط اقتصادي مفهوم؟ 
  • وهل يمكن أن تظهر في قياس أو تخطيط أو بناء منتج؟ 

الدرس الياباني هنا لا يقول لنا “تحركوا ببطء”، بل يقول: لا تعلنوا النتيجة قبل أن تبنوا شروطها. وهذا مهم جدًا لـ المملكة العربية السعودية إذا أرادت أن تجعل البيانات أصلًا اقتصاديًا فعليًا، لا مجرد فكرة براقة في الخطاب.

ماذا تضيف العدسة الأسترالية/الأميركية من زاوية القياس؟

هذه العدسة تضع يدها على العقدة التي تُفسد كثيرًا من النقاشات:
الحديث عن القيمة من دون إطار قياس.
فالقول إن البيانات أصل اقتصادي لا يكفي، ما لم نسأل:

  • كيف سنقيس هذا الأصل؟ 
  • هل من زاوية الاستثمار؟ 
  • أم من زاوية أثره على الإنتاجية؟ 
  • أم من زاوية قدرته على تحسين القرار والتسعير والابتكار؟ 
  • أم من زاوية بقائه كأصل غير ملموس داخل المؤسسات والمنصات؟ 

OECD نفسها تشير إلى أن قياس قيمة البيانات وتدفقاتها ما يزال يتطور، وأن بناء إرشادات إحصائية أوضح سيبقى مهمة رئيسية في السنوات المقبلة. وهذا ينسجم مع الدرس الأسترالي/الأميركي: لا تبنوا خطابًا كبيرًا من دون منطق قياسي يسانده

وبالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، فهذا يعني أن النضج في هذا الملف لن يكون بمجرد الاعتراف النظري بالبيانات، بل بتطوير لغة أوضح تميز بين:

  • البيانات التي تبقى مجرد تدفق معلومات 
  • والبيانات التي ترتفع إلى مستوى الأصل 
  • والبيانات التي تنتج أثرًا اقتصاديًا متكررًا 
  • والبيانات التي تبقى محدودة الأثر التشغيلي 

ماذا تضيف العدسة الأوروبية؟

العدسة الأوروبية تضيف عنصرًا لا يجوز تجاهله:
البيانات لا تُفهم اقتصاديًا فقط، بل أيضًا من زاوية الحوكمة، والتنظيم، والشفافية، والقابلية للظهور في الإحصاء الرسمي.
وهذا مهم لأن المنصات والأسواق الرقمية لا تستخدم البيانات فقط لتحسين الأداء، بل أيضًا لتنظيم الوصول، وتوزيع الظهور، والتسعير، وترتيب الفرص، وأحيانًا لاتخاذ قرارات آلية تؤثر مباشرة في السوق والعمل.

ومن هنا، فإن تحويل البيانات إلى أصل اقتصادي في المملكة العربية السعودية لا ينبغي أن يصبح مشروعًا تجاريًا محضًا، بل يجب أن يمر أيضًا عبر:

  • وضوح الحوكمة 
  • رفع الشفافية 
  • بناء الثقة 
  • وربط البيانات بإطار اقتصادي وتنظيمي يجعلها قابلة للفهم والقياس والسياسة 

هذه العدسة لا تعني أن نُغرق النص في النقاش القانوني، لكنها تذكرنا بأن البيانات إذا ظلت قوة خاصة مغلقة داخل المنصات والمؤسسات، فقد تبقى مصدر نفوذ داخلي، من دون أن تتحول إلى قيمة اقتصادية وطنية مقروءة. أما إذا أُحسن تنظيمها وفهمها، فإنها تصبح أصلًا أكثر نضجًا، لا مجرد مخزون معلومات مغلق.

ما الذي تخسره الاقتصادات حين تهمل البيانات؟

حين تُهمل الاقتصادات البيانات، فإنها تخسر أكثر من مجرد معلومات غير مستخدمة.

أولًا: تخسر وضوح السوق
لأن البيانات الجيدة تكشف ما الأكثر طلبًا، وما الأكثر نموًا، وأين تتكرر العقود، وما القطاعات الأعلى قيمة، وكيف تتغير سلوكيات المنتجين والمستهلكين.

ثانيًا: تخسر فرصة تحويل النشاط إلى أصل
قد تُنفذ آلاف الخدمات والعمليات، لكن من دون تنظيم البيانات التي خلّفتها تضيع إمكانية تحويلها إلى منتج، أو أداة، أو نموذج تسعير، أو معرفة قابلة للتكرار.

ثالثًا: تخسر جزءًا من القيمة المحلية
إذا بقيت البيانات أثرًا تقنيًا لا يُقرأ اقتصاديًا، فإن جزءًا مهمًا من القيمة المتولدة داخل المملكة العربية السعودية قد لا يظهر في المؤشرات ولا في الفهم الحقيقي للقيمة الوطنية.

رابعًا: تخسر جودة التخطيط
الاقتصاد الرقمي الذي لا يبني قراراته على بيانات مفهومة ومقيسة يبقى أكثر عرضة للضبابية في القرار.

خامسًا: تخسر القدرة على المنافسة
في البيئات الرقمية المتقدمة، البيانات ليست فقط للتقارير، بل للابتكار، وتحسين المنتجات، ورفع الكفاءة، وصنع فروق تنافسية قابلة للاستمرار.

كيف تتحول البيانات من أثر تشغيلي إلى أصل اقتصادي؟

التحول لا يحدث بمجرد التخزين. ولا يحدث بمجرد تضخم قواعد البيانات. إنه يحدث حين تمر البيانات على أربع مراحل واضحة:

1) الجمع المنظم
أي أن تُجمع ضمن منطق واضح، لا كتراكم عشوائي.

2) الجودة والتصنيف
فالبيانات الرديئة أو المبعثرة لا تصنع أصلًا. الذي يصنع الأصل هو الاتساق، والدقة، والقابلية للربط، وسهولة الاستخدام الاقتصادي والتحليلي.

3) التحويل إلى معرفة
حين تُستخدم البيانات لفهم السوق، وتحسين الخدمات، ورفع جودة القرار، وتطوير التسعير أو المنتج، فإنها تخرج من خانة الأرشيف إلى خانة الأصل.

4) الربط بالقيمة
أي حين تصبح البيانات جزءًا من خدمة، أو أصل رقمي، أو قرار استثماري، أو أداة تنافسية، أو تحسين إنتاجية.

عند هذه النقطة فقط يمكن القول إن البيانات لم تعد أثرًا جانبيًا، بل أصبحت أصلًا اقتصاديًا فعليًا.

ما علاقة هذا بالعمل الحر والخدمات الرقمية في المملكة العربية السعودية؟

العلاقة وثيقة جدًا.
في المملكة العربية السعودية، يتولد جزء كبير من البيانات الاقتصادية الجديدة من:

  • المنصات 
  • الخدمات الرقمية 
  • التعاقدات المرنة 
  • الأعمال التقنية والإبداعية 
  • التجارة الرقمية 
  • وأنشطة السوق التي تقودها الرقمنة 

وهذا يعني أن العمل الحر والخدمات الرقمية لا ينتجان دخلًا فقط، بل ينتجان أيضًا معرفة سوقية وتشغيلية عالية القيمة. لكن هذه القيمة تضيع إذا نظرنا إليها كأثر جانبي فقط. فالمستقل، والمنصة، والعميل، والنظام، كلهم يتركون وراءهم:

  • أنماط طلب 
  • تكرار تعامل 
  • سلوك تسعير 
  • احتياجات قطاعات 
  • فجوات مهارية 
  • وفرصًا لتحويل الخدمة إلى منتج 

وهنا تصبح البيانات جسرًا منطقيًا بين الموضوع السابع والموضوع الثامن في هذه السلسلة: إذا كانت الأصول الرقمية هي ما نريد أن نبنيه، فإن البيانات هي أحد أهم المواد التي تُبنى منها هذه الأصول.

كيف يخدم هذا الاقتصاد غير النفطي في المملكة العربية السعودية؟

لأن الاقتصاد غير النفطي لا يحتاج فقط إلى زيادة الأنشطة، بل إلى تحسين جودة القيمة المتولدة من هذه الأنشطة. والبيانات، حين تصبح أصلًا اقتصاديًا، ترفع:

  • كفاءة السوق 
  • جودة الخدمات 
  • القدرة على تطوير المنتجات 
  • فهم سلاسل القيمة 
  • وتحسين القرارات الاستثمارية والتشغيلية 

وبذلك لا تكون البيانات مجرد عنصر تقني مساعد، بل رافدًا حقيقيًا لتعميق الاقتصاد غير النفطي داخل المملكة العربية السعودية. كما أن أعمال UNCTAD الأخيرة تؤكد أن التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية المسلّمة رقميًا من أسرع مكونات الاقتصاد العالمي نموًا، وأن الفجوات الإحصائية ما تزال كبيرة، وهو ما يعزز الحاجة إلى رؤية أكثر نضجًا للبيانات داخل الاقتصادات الوطنية. 

كيف ينبغي أن يُفهم موقع البيانات في هذه المرحلة؟

إذا كانت الخدمات الرقمية تخلق حركة اقتصادية ظاهرة، فإن البيانات هي في كثير من الأحيان الطبقة الأعمق التي تمنح هذه الحركة معناها الاقتصادي الحقيقي. والمشكلة ليست في أن البيانات غير موجودة، بل في أن جزءًا كبيرًا منها ما يزال يُعامل كما لو كان أثرًا تشغيليًا تابعًا للنشاط، لا عنصرًا من عناصر القيمة نفسها.

ومن هنا، فإن السؤال لا يعود متعلقًا فقط بكمية البيانات التي تتولد داخل الاقتصاد الرقمي في المملكة العربية السعودية، بل بطريقة النظر إليها أصلًا. هل تُرى بوصفها أثرًا خلفيًا يرافق الخدمات والمنصات والعمل الحر؟ أم تُرى بوصفها مادة اقتصادية قابلة للتنظيم، والتحليل، وإعادة الاستخدام، والتحول إلى معرفة ومنتجات وأدوات وميزة تنافسية؟ هذا الفرق في القراءة هو الذي يحدد ما إذا كانت البيانات ستظل عبئًا تقنيًا صامتًا، أم ستصبح أصلًا اقتصاديًا يدخل فعليًا في بناء العمق الرقمي للاقتصاد.

بهذا المعنى، فإن نضج الاقتصاد الرقمي في المملكة العربية السعودية لا يرتبط فقط بزيادة النشاط، بل أيضًا بقدرتها على رفع مكانة البيانات من خانة الأثر التشغيلي إلى خانة الأصل الاقتصادي. لأن الاقتصاد الذي يتحرك من دون أن يفهم ما تخلّفه حركته من بيانات، يبقى أقل قدرة على رؤية نفسه، وأقل قدرة على تحسين إنتاجه، وأقل قدرة على الاحتفاظ بالقيمة التي يولدها.

الخاتمة

البيانات في الاقتصاد الرقمي ليست ظلًا للنشاط، بل قد تكون في كثير من الأحيان جوهره الأكثر قابلية للتراكم. والاقتصادات التي تتعامل مع البيانات كأثر جانبي فقط قد ترى الحركة، لكنها تفوت جزءًا كبيرًا من القيمة. أما الاقتصادات التي تتعامل معها كأصل اقتصادي، فإنها ترى في البيانات:

  • معرفة 
  • وقيمة 
  • وقدرة على التطوير 
  • وبنية لابتكار منتجات وخدمات وسياسات أفضل 

ولهذا، فإن المملكة العربية السعودية لا تحتاج فقط إلى اقتصاد رقمي متوسع، بل إلى اقتصاد رقمي أعمق يفهم أن بعض أهم أصوله لا تُرى دائمًا في الواجهة، بل تتولد في الخلفية ثم تُبنى عليها القيمة الحقيقية.

والسؤال الذي يجب أن يحكم هذه المرحلة ليس:
كيف نجمع بيانات أكثر؟

بل:
كيف تجعل المملكة العربية السعودية من بياناتها الرقمية أصلًا اقتصاديًا مقروءًا، ومقاسًا، ومُحتفظًا بقيمته داخل الاقتصاد الوطني؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى