ما الذي يجب أن يبقى داخل المملكة العربية السعودية من القيمة الرقمية المنتجة؟
القيمة الرقمية في المملكة العربية السعودية

ما الذي يجب أن يبقى داخل المملكة العربية السعودية من القيمة الرقمية المنتجة؟
في المراحل الأولى من التوسع الرقمي، يتركز الانتباه عادة على الحركة الظاهرة: عدد أكبر من المنصات، خدمات أكثر، عقود رقمية أسرع، وانتشار أوسع للأدوات والتطبيقات. وهذه كلها مؤشرات مهمة، لكنها لا تحسم السؤال الأهم اقتصاديًا. فليس كل نشاط رقمي متزايد يعني بالضرورة أن الاقتصاد يحتفظ بقيمته، وليس كل سوق رقمي متحرك يعني أن ما يتولد داخله يبقى داخل حدوده الاقتصادية. وهنا يبدأ السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح في المملكة العربية السعودية: إذا كانت الحركة الرقمية تتسع، فما الذي يجب أن يبقى منها داخل الاقتصاد الوطني؟
هذا السؤال ليس سؤالًا محاسبيًا ضيقًا، ولا هو اعتراض على الانفتاح أو على التجارة أو على المنصات أو على الخدمات العابرة للحدود. بل هو سؤال نضج اقتصادي. لأن الاقتصادات لا تُقاس فقط بما تنتجه لحظةً بلحظة، بل أيضًا بما تحتفظ به من هذا الإنتاج في صورة:
- معرفة
- وأصول
- وبيانات
- وقدرة تشغيل
- وقواعد سوق
- وفرص تراكم مستقبلية
ومن هنا، فإن القضية في المملكة العربية السعودية لم تعد تتعلق فقط بوجود اقتصاد رقمي متوسع. نتائج مسح الاقتصاد الرقمي 2024 أظهرت أن مساهمة الاقتصاد الرقمي بلغت 16.0% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ 15.6% في 2023، مع كون الاقتصاد الرقمي الواسع هو الحصة الأكبر من هذه المساهمة. هذا يعني أن النشاط الرقمي لم يعد هامشيًا، وأن السؤال لم يعد: هل يوجد اقتصاد رقمي؟ بل: كيف نضمن أن جزءًا معتبرًا من قيمته يبقى داخل المملكة العربية السعودية ويُترجم إلى عمق اقتصادي وطني؟
من الحركة إلى الاحتفاظ بالقيمة
السوق الرقمي قد يكون نشيطًا جدًا، لكنه يظل أقل نضجًا إذا كان كل ما ينتجه يمر سريعًا من دون أن يترك أثرًا متراكمًا. قد تُنفذ آلاف الخدمات، وتتكرر عمليات رقمية كثيرة، وتتولد بيانات هائلة، وتتحرك عقود عبر المنصات، لكن السؤال الحقيقي يبقى:
ما الذي بقي بعد هذه الحركة؟
هل بقي:
- أصل رقمي؟
- قاعدة بيانات منظمة؟
- معرفة سوقية؟
- قدرة تشغيل محلية؟
- منتج متكرر؟
- سمعة وطنية قابلة للتوسع؟
- أم بقي فقط دخل لحظي يتبدد بعد كل دورة نشاط؟
هذا هو الفارق بين اقتصاد رقمي يتحرك، واقتصاد رقمي يبني نفسه.
وقد أوضحت الموضوعات السابقة في السلسلة هذا التدرج بوضوح: بدأنا بسؤال القياس، ثم انتقلنا إلى الأصول، ثم إلى البيانات، ثم إلى المنصة والمنظومة. وكل ذلك يقود طبيعيًا إلى هذا السؤال العاشر: بعد أن قسنا النشاط، وتحدثنا عن الأصول، ورفعنا مكانة البيانات، وفهمنا أن المنصة لا تكفي وحدها، يبقى السؤال النهائي: ما الذي يجب أن تحتفظ به المملكة العربية السعودية من هذه القيمة الرقمية كلها؟
ما المقصود بالقيمة الرقمية المنتجة؟
القيمة الرقمية المنتجة لا تعني فقط الإيراد المباشر الناتج عن خدمة أو اشتراك أو عملية بيع. هي أوسع من ذلك بكثير. فهي تشمل:
- الدخل الناتج عن النشاط الرقمي
- البيانات المتولدة عن السوق
- الأصول غير الملموسة التي تُبنى من خلاله
- المعرفة التشغيلية المتراكمة
- القابلية لتحويل الخبرة إلى منتج
- والعلاقات السوقية التي تصبح قاعدة لقيمة مستقبلية
ومن هنا، فإن السؤال عن “ما الذي يجب أن يبقى” لا يعني أن كل شيء يجب أن يُحتجز محليًا بصورة حرفية، بل يعني أن الجزء الأهم من القيمة النوعية لا ينبغي أن يتبخر بالكامل خارج الاقتصاد الوطني.
WIPO تشير إلى أن الاستثمار في الأصول غير الملموسة — مثل البرمجيات، والبيانات، والعلامات، والتصميم، ورأس المال التنظيمي — أصبح عنصرًا محوريًا في اقتصادات العصر، وأن البرمجيات وقواعد البيانات كانت من أسرع فئات الأصول غير الملموسة نموًا خلال 2013–2022. هذا يؤكد أن ما يبقى من القيمة الرقمية الحديثة لا يكون دائمًا مصنعًا أو أصلًا ماديًا، بل قد يكون أصلًا غير ملموس ذي وزن اقتصادي كبير.
ما الذي يجب أن يبقى فعلًا داخل المملكة العربية السعودية؟
إذا أردنا أن نجيب بدقة، فإن ما ينبغي أن يبقى داخل المملكة العربية السعودية من القيمة الرقمية المنتجة يمكن تلخيصه في خمس طبقات مترابطة.
أولًا: يجب أن يبقى جزء معتبر من الدخل نفسه
ليس بمعنى منع الانفتاح أو تقليل التبادل، بل بمعنى ألا تصبح السوق الرقمية مجرد ممر للنشاط من دون أثر محلي واضح.
إذا كانت الخدمات تُنتج، والعقود تُنفذ، والمنصات تتحرك، فإن جزءًا معتبرًا من هذا النشاط ينبغي أن ينعكس على:
- دخل محلي
- إنفاق محلي
- تشغيل محلي
- وقاعدة اقتصادية محلية أقوى
هذه هي الطبقة الأولى، وهي أبسط الطبقات وأكثرها مباشرة.
ثانيًا: يجب أن تبقى البيانات بوصفها أصلًا اقتصاديًا
وهذا يرتبط مباشرة بالموضوع الثامن.
فالبيانات التي تتولد داخل السوق الرقمي في المملكة العربية السعودية لا ينبغي أن تُعامل كأثر خلفي بلا وزن، بل كمادة معرفية واقتصادية تساعد على:
- فهم السوق
- تطوير الخدمات
- تحسين التسعير
- تحديد القطاعات الأعلى قيمة
- وبناء أصول جديدة
OECD تؤكد أن البيانات تُفهم اليوم كأصل غير ملموس يسهم في الإنتاج، لكنها لا تزال غير ملتقطة بالكامل في القياس التقليدي. وهذا يجعل سؤال الاحتفاظ بها وتوظيفها أكثر أهمية، لا أقل.
ثالثًا: يجب أن تبقى الأصول الرقمية لا الخدمات فقط
إذا بقيت السوق تبيع ساعات وخدمات وتنتهي، فإنها قد تنشط لكنها لا تتراكم. أما إذا تحوّل جزء من هذه الحركة إلى:
- أدوات
- ومنتجات
- وأنظمة
- وملكية فكرية
- وقوالب
- وقواعد عمل
فإن القيمة لا تبقى في الدخل المباشر فقط، بل تتحول إلى أصل يمكن البناء عليه وتمويله وتوسيعه.
وقد أبرزت OECD أن الأصول غير الملموسة، مثل البيانات والبرمجيات، غالبًا ما تكون صعبة التقييم لكنها شديدة الأهمية في الاقتصاد الرقمي. وهذا يعني أن جزءًا أساسيًا مما يجب أن يبقى داخل المملكة العربية السعودية هو ليس فقط النشاط، بل ما ينتجه النشاط من أصول غير ملموسة.
رابعًا: يجب أن تبقى المعرفة التشغيلية والسوقية
هذه نقطة كثيرًا ما تُهمل.
فكل سوق رقمي ينتج مع الوقت معرفة عميقة عن:
- ما الذي ينجح
- وما الذي يفشل
- وما الذي يطلبه العملاء
- وما القطاعات التي ترتفع قيمتها
- وما الثغرات المهارية
- وكيف تُبنى المنتجات والخدمات القابلة للتكرار
إذا غادرت هذه المعرفة السوق، أو بقيت مبعثرة من دون تنظيم، فإن جزءًا مهمًا من القيمة يغادر أيضًا.
المعرفة هنا ليست مجرد خبرة شخصية، بل جزء من القدرة التنافسية الوطنية.
خامسًا: يجب أن تبقى القابلية على تشكيل القواعد والمعايير
وهذه النقطة تربط هذا الموضوع بالموضوع التاسع.
فالسوق الرقمي الأكثر نضجًا ليس هو الذي يملك منصات أكثر فقط، بل الذي يملك قدرة أوضح على:
- فهم قواعده
- تحسينها
- بناء الثقة داخله
- ورفع الشفافية
- وربط السوق بالاقتصاد الوطني لا فقط بالتشغيل السريع
ولهذا فإن جزءًا مهمًا مما ينبغي أن يبقى داخل المملكة العربية السعودية ليس فقط المال أو البيانات أو الأصول، بل أيضًا القدرة على تشكيل السوق نفسه.
ماذا تضيف العدسة الصينية؟
العدسة الصينية تضيف إلى هذا الموضوع بُعدًا واضحًا:
القيمة لا تُقرأ فقط بوصفها نتائج تشغيلية، بل بوصفها جزءًا من البنية الاقتصادية الوطنية.
فالسؤال من هذه الزاوية لا يكون فقط: كم ربحت المنصة أو كم نمت الخدمات؟
بل:
- ما الذي بقي داخل الاقتصاد؟
- ما الذي تحول إلى قدرة تراكمية؟
- ما الذي صار جزءًا من القوة البنيوية لا مجرد حركة عابرة؟
ومن هذه العدسة، فإن المملكة العربية السعودية إذا أرادت نضجًا اقتصاديًا رقميًا أعلى، فإنها تحتاج إلى أن ترى القيمة الرقمية بوصفها مادة استراتيجية، لا مجرد نتيجة تجارية لحظية. هذا لا يعني الانغلاق، بل يعني ألّا تكتفي برؤية الأرقام السطحية وتغفل عما إذا كانت البنية الوطنية نفسها قد أصبحت أقوى.
ماذا تضيف العدسة اليابانية؟
العدسة اليابانية تضيف درسًا مهمًا جدًا:
الاحتفاظ بالقيمة لا يحدث بالشعار، بل بالتدرج المنظم.
بمعنى أن السوق لا ينتقل من حركة تشغيلية سريعة إلى تراكم اقتصادي وطني بمجرد إعلان الرغبة في ذلك، بل عبر مراحل:
- تحسين البيئة
- رفع الثقة
- تقوية القابلية للتكرار
- بناء قواعد أكثر استقرارًا
- وتحويل النشاط خطوة خطوة إلى ما يمكن أن يبقى
ولهذا، فإن السؤال في المملكة العربية السعودية لا ينبغي أن يكون فقط: ما الذي نريد أن يبقى؟
بل أيضًا: ما الذي يجب أن يُبنى تدريجيًا حتى يصبح بقاء هذه القيمة ممكنًا؟
ماذا تضيف العدسة الأسترالية/الأميركية من زاوية القياس؟
هذه العدسة تمنعنا من الوقوع في خطاب إنشائي عن “الاحتفاظ بالقيمة” من دون مضمون.
فلكي نقول إن القيمة بقيت داخل المملكة العربية السعودية، نحتاج أن نعرف:
- ما الذي نقيسه أصلًا؟
- هل نقيس الإيراد؟
- أم الأصول؟
- أم البيانات؟
- أم القدرة على التكرار؟
- أم القيمة المضافة؟
- أم أثرها على الاقتصاد غير النفطي؟
OECD شددت في أعمالها على أن قياس البيانات وتدفقاتها والأصول المرتبطة بها ما يزال يتطور، وأن كثيرًا من مكونات القيمة الرقمية الحديثة لا تظهر بسهولة في الإحصاءات التقليدية. وهذا يعني أن سؤال “ما الذي يجب أن يبقى” لا يمكن فصله عن سؤال “كيف سنراه ونقيسه؟”
ماذا تضيف العدسة الأوروبية؟
العدسة الأوروبية تضيف جانب الحوكمة والشفافية والتنظيم.
فالقيمة لا تبقى فقط عبر السوق، بل أيضًا عبر القواعد التي تنظّم:
- من يحتفظ بالبيانات
- من يحدد شروط الوصول
- من يلتقط الميزة الاقتصادية
- وكيف تُدار الخوارزميات والمنصات
- وما الذي يظهر داخل الإطار الإحصائي والتنظيمي الرسمي
وفي هذا المعنى، فإن المملكة العربية السعودية لا تحتاج فقط إلى نشاط رقمي أكبر، بل إلى بيئة تنظيمية وحوكمية أكثر نضجًا تجعل القيمة الرقمية المقروءة والقابلة للاحتفاظ ممكنة أصلًا. وإلا فإن جزءًا كبيرًا من هذه القيمة قد يبقى حبيس الوسطاء أو التدفقات العابرة من دون أن يتحول إلى عمق اقتصادي وطني.
لماذا هذا مهم للاقتصاد غير النفطي في المملكة العربية السعودية؟
لأن الاقتصاد غير النفطي لا يتوسع فقط بزيادة عدد الأنشطة، بل أيضًا بزيادة جودة القيمة المتولدة من هذه الأنشطة.
والقيمة الرقمية التي تبقى داخل المملكة العربية السعودية في صورة:
- بيانات
- وأصول
- ومعرفة
- وقدرة تشغيل
- وتحسين إنتاجية
- وتطوير خدمات ومنتجات
تجعل الاقتصاد غير النفطي أعمق وأكثر قدرة على الاستمرار من مجرد نشاط سريع لا يترك أثرًا طويل المدى.
UNCTAD تذكّر في تقاريرها الحديثة بأن الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية والخدمات المسلّمة رقميًا تنمو بسرعة عالميًا، لكن الفجوات في فهم القيمة وتوزيع منافعها ما تزال كبيرة، خصوصًا في الاقتصادات النامية والصاعدة. وهذا يعزز أهمية ألا تكتفي المملكة العربية السعودية بالحركة، بل أن تسأل دائمًا: أين تذهب القيمة؟ وما الذي يبقى منها هنا؟
كيف ينبغي أن يُفهم هذا السؤال في هذه المرحلة؟
إذا كانت الموضوعات السابقة قد بنت لنا الطريق، فإن هذا الموضوع العاشر هو الذي يختبر نضج الطريق كله.
فالقياس وحده لا يكفي إن لم نعرف ماذا نريد أن نحتفظ به.
والأصول وحدها لا تكفي إن لم تبقَ داخل السوق بصورة مؤثرة.
والبيانات وحدها لا تكفي إن لم تتحول إلى معرفة وقيمة.
والمنصة لا تكفي إن لم تصبح جزءًا من منظومة أعمق.
ومن هنا، فإن السؤال عن “ما الذي يجب أن يبقى” ليس سؤالًا إضافيًا، بل هو الخلاصة الاقتصادية الطبيعية لهذه المرحلة كلها. لأنه يحول النقاش من مجرد وصف النشاط الرقمي إلى تحديد ما الذي يجعل هذا النشاط مفيدًا للاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
الخاتمة
الاقتصاد الرقمي في المملكة العربية السعودية لا يقاس فقط بحجم الحركة، بل أيضًا بقدرة هذه الحركة على أن تترك وراءها شيئًا يبقى.
يبقى في صورة دخل محلي، وأصول رقمية، وبيانات مقروءة، ومعرفة تراكمية، وقدرة أعلى على تشكيل القواعد وفهم السوق.
أما إذا كانت الحركة كلها تمر من دون أن تترك هذا الأثر، فإن السوق قد يبدو نشيطًا، لكنه يظل أقل عمقًا مما ينبغي.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يحكم هذه المرحلة ليس:
كيف نزيد النشاط الرقمي فقط؟
بل:
ما الذي يجب أن يبقى داخل المملكة العربية السعودية من القيمة الرقمية المنتجة، حتى يتحول الاقتصاد الرقمي من حركة متسعة إلى عمق وطني متراكم؟




